الأربعاء، 21 أكتوبر 2015

على رُكْحٍ مُـنْـفـرِد


على رُكْحٍ مُـنْـفـرِد
  سعيدة تاقي

انـتـظار
ارتدتْ فرحَها، و مضتْ.. تُقلِّمُ أوصالَ الساعاتِ.
استكانتْ إلى لهفتها العقاربُ، و انسابتْ تطِلُّ على الأرقامِ في حلقاتِ.
أسدلَتْ الأيـامُ جفنيها على توْقِها الوليد.
و تنحّتْ تبحث جانباً، بين الوجوه عن دفء عابرٍ تُذْكي نارَه، من جديد.



وُصـول
تعثّرت قدمُه و هو يقفز بعجلةٍ الدرج الأخير من القطار قبل أن يتوقّف. كان يفكِّر في النَّعشِ الذي ينتظره مُشرعاً، في القرية النّائية، لدفنِ فرحٍ لم يمْهِلهُ عُسْرُ المخاضِ الأوَّل..
كان يفكِّرُ في الكفَنِ الذي استبدَلَ بياضَ ثوْب العُرْس، و ما فطِنَ للقدَم التي زلَّتْ بحزنهِ إلى الأسفل تحت الحديد.



انصـراف
لم يَع من الوجود غير ماء دافئ و صوت خافت و بعض النور.
و حلَّ الألم..
الصمتُ يعزل كل ذلك الكلام و الصُّراخ المُراقَيْـن خارجاً، لِكَيْ يظلَّ النَّقاء بالداخل عنوان طُهْـرٍ مُـفْـتـقَـد.
أهي أرواحُهم لِشفافـيتِها يَسْهُل احْتِضارُها، أمْ هو الألمُ يُرهِق طيبوبَتهم المُفـرِطة فَـيَكون الموت آخِـر الكَيّ؟!


شاهِدٌ واحِدٌ و القَـبْرُ جَماعي



شاهِدٌ واحِدٌ و القَـبْرُ جَماعي
سعيدة تاقي


إلى ذلك الضمير.
ـــــــــــــــــــــــــــ

نَحْنُ نَحْنُ،
بما نملِـكُ
لا بِما نفـتَـقِد.

***

البُرعُم حينَ يشتـدُّ عُودُه،
يَـنْسى الصُّورة الأُولى.

***

أنت و المَدَى
سنابلُ حريّةٍ مُثْـقَـلَة.
ما أجمَلَـكِ قُيود الوَهْمِ!

***

مضتْ.
... و قَدْ لا تَعُود.
حمَلَـتْ أوزارَ الجميع،
و ما زاورَ مغَانِينَا الفجرُ.

***

تكسَّرَ أخيراً جامِعُهما.
كانا رفيقَـيْـن على مَضض.
الأَّولُ لا سَقْـفَ يُغَطِّيه.
و الثّاني لا صوتَ يخرُقُه.

***

شِئْـنَ الصَّبْرَ و ما شاء غيرَهن.
بعضُ أكْبَادِهن احتَرَق.
و بعضُ أكْبادِهن اختُرِق
و الباقي في ويل الوَهْمِ
يتَرَقْرَق.

***

الضَّلالُ يُرخي ظِلالَهُ ثانية.
منتظَرةً كُنتِ
و ستظلِّين.
***

يُجانِـبُون الفرَحَ في رَقْصِهم.
و يُسَدِّدُون صَوْبَ العازِفِـين البؤساء.

***

الجنّتان ما بادَتَـا.
ماؤُهما غَوْر.

***

للبَحث عن المَعْـنى
تـتـبَعْثَرُ الدلالات.
اليقينُ لن يفتَقِـد جُهَـيْنَة.
***

المُـفـرَدُ متعدِّد.
و الجَمْـعُ واحِد.
***

الأحد، 18 أكتوبر 2015

و أَرْتَـكِـبُـك مِنْ جَـديد..


و أَرْتَـكِـبُـك مِنْ جَـديد..
سعيدة تاقي

مثل الفراشةِ أبتهِلُ لوميضِك و يحرقني اللهيب.
ـــــــــــــــــــــــــ


ـ 1 ـ
قد لا يعنيكَ وجعي.
لا تكترثْ..
واصِل نحْري.
ذنبي كانَ..
ملاحقةَ آثـامك.

ـ 2 ـ
سأحلُم من جديد.
سأبني أعشاشاً
على الشجر..
و أترك للعصافير
أنْ تأخذَ منها
ما تشاء.

ـ 3 ـ
الجُحْر الذي لدَغَني
ألف مرَّة و مرَّة
لم يخدَعني.
قدمي الخائنة
كانت تعشق الخلْخالَ
الذي لا صوتَ له.

ـ 4 ـ
سأحلِّقُ عالياً مثلها
لكن دون جناحين.
سأحلِّقُ عالياً مثلها
لكن دون ريش.
سأحلِّق عالياً مثلها.
و أُقـلٍّم خُدع الجاذبية.

ـ 5 ـ
قديماً..
آمنَتُ بحبِّ جلّادي
لتنكسِرَ مرايا الزنزانة.
نبتَـتْ لربوعِ الوطنِ
طحالِبُ أخرى.

ـ 6 ـ
سأطير عالياً.
لن أرقص كثيراً.
الخلخالُ لم يعد صامتاً.

ـ 7 ـ
الجرحُ الغائر
ليسَ قاتِلاً..
ألا تَرى:
قلبي..
.. تلك الكتلة الحمراء..
ليس في الوسط،
إلى اليسار قليلاً،
ما زالَ ينبض.

ـ 8 ـ
سأرسُمُ في الأعلى
هناك..
حيث سأحلِّق،
قوسَ قزحٍ جديد.
لا يصرِفُـه الماءُ
و لا تذيبُه الشمس.
و لا تلتَقِــمُهُ
أفواه الرصاصاتِ
الجائعة.

ـ 9 ـ
في الأسفل
سأصفع البابَ خلفي،
و أمضي.
لا تكتَرثْ لغيابي.
قلبي ما زال ينبض
خلف الشلّال الهادِر.
و جِيدي ما زال شامخاً
فوق الشرخ الأحمر.
لا تكترث.
أنا سأمضي..
و حسب.

ـ 10 ـ
في الأعلى..
سأتركُ القُزَح ينثُـر
ألوانَه في كلِّ خفقةٍ،
و أحلِّق من جديد.
سأحلِّق من جديد
سأحلُم من جديد..
قد أرتَكِـبُكَ من جديد..
أبوابُ السّماء
ما زالت مفتوحة.


أنشودة الرَّحــيل

أنشودة الرَّحــيل 
سعيدة تاقي

  ــــــــــ
  "فَـزَّاعَةُ القَـرْيَة الجديدة لا تُطاردُ العصافـير."
  ــــــــــــ

بالبحر عزَفَ أخيراً أنشودةَ الرَّحيل.
لم يردِّد صداها ذاك الصباح، سوى رقْصِ النوارس و مجدافِ بحّار عجوز...
و الزُّرقةِ المُتورِّمة.
***
سابقاً
كان للقرية ألفُ بابٍ و باب، و نوافِذُ عديدة و باحاتٌ مُتْرَبة.
و ما كانت لها ـ لسوء النيَّة ـ مخارجُ للحُلم.
***

سابقاً
سيَّجوا الحقولَ كي لا ترتَع دَوابُّ الرئيس حيثُ شاءت.
لم يُمعِنِ السيّاجُ في الانتظار كثيراً.
محرِّكاتُ الضيعة المجاورة شرِبتْ كلَّ ماء الجَوْفِ، نكايةً بأحجارِ الوادي الجافَّة.
***

سابِقاً
بيعتِ الأرضُ.
و جفَّ الضرعُ.
و ما اكتفى العُمرُ عن إنجابِ البُطون.
***

سابِقاً
كان الوهمُ غدٌ سيأتي.
كان حُلمُ الفرَجِ و الفرَحِ، و البِكْرُ سيَكبُر.
***
حلَّ الغدُ.
البحرُ المآل.
و الأرض الواطِئَةُ المُستَـقَـر.
***



الجمعة، 16 أكتوبر 2015

في مَراشِقِ الغِـواية


في مَراشِقِ الغِـواية
سعيدة تاقي

ما زالَ طِفلاً يَنْتَعِـلُ الرُّوحَ و يَعْـتِـمِرُ الأحْلام و يَغْـتَرِفُ الهِواية.
******

القلْبُ منزوعُ النّوى،
يمشي حافِياً
ترَكَهُ الربيعُ عارياً
و مضى يقلِّـبُ خلْفَ
الفصُول المتداخِلة
عنْ بتْلاتٍ لمْ يَـرْوِها
القِـطاف.
أكلَّما نكَأَ الخريفُ
مخاضاتِ البداية
تخْسِفُ الحياةُ أوراقَها
و تُغدِقُ الدِّماءُ صبيبَها،
و تلتَفُّ بَيْـن الزّوايا
آلافُ المناديلِ المخضَّبة.

***

القمَرُ لم يعُد مُرسَلاً،
لمْ تضُمهُ الشّمسُ
بَعْدُ إلى أحضانها.
و الطلُّ غادَر الصَّفاءُ
نقَـراتِـهِ
في الهَزيع الأخير.
و الوردُ يُداري
خِلْسَةً،
شوكَهُ شوقاً
لرَفِـيف الفرَاشات.

***

الليلُ قارِسٌ هناك
خلفَ المَرايا الباهتة.
القَلبُ حافِياً
يمشي
دون قدَمَيْن،
منزوعَ النَّوى
وحيداً.
و الغصَّةُ تجثُو
مُرتَجِفةً،
خلْفَ الأوراقِ
.. و الدِّماء
.. و الأشلاء،
تبْحَثُ للمَناديلِ
عن مصيفٍ لا يُحرِقُ
دِرْعَ الأحلام.