السبت، 10 أكتوبر 2015

دونَ خُـفَّـيْـن

دونَ خُـفَّـيْـن
سعيدة تاقي

لم يستيقظ هذا الصباح.
لم يُجبْها ـ عند الظهيرة ـ و هو يسمعها تناديه، عقب فَـتحِها باب الشقة بالمفتاح الذي تملكه منذ سنوات، و تجمعه إلى سلسلة مفاتيحها الكثيرة و المتجدِّدة.
كان يدرك و هي تناديه بصوتها الدافئ، أنها تحمل نصيـبَه من وجبة الغذاء التي أعدَّتْها بشغف، و حملتْ شطراً منها إلى طفليها في المدرسة، و أتَـتْه بشطر ليتناولاه معاً. كان ذلك هو الحل المُرضي للجميع، بعدما يئست من انتقاله للعيش معها، و مفارقة عزلته داخل غرفة مكتبه و رواياته و مؤلَّفاته.
يـسمعُـها، الآن، تبحثُ بين الأدراج و الخزانات في المطـبخ، عن الصحـون و الملاعـق و الشوك... و يسمعها تواصِل النداء عليه بصوتها الدافئ.
ارتدى الخفَّـيْـن الناعمين، اللذين أهدته إياهما مع بداية الخريف قبل ثلاثة أسابيع. كانا أكثرَ طراوةً و نعومة على قدميه من المعتاد، لكنه لم يُعِر الأمر اهتماماً.
حمل فنجان قهوته البارد.. و توجَّه ليلحقـها إلى المطبخ دون صوت.
كان دوماً يمازحها بقوله: "سأظل أحمل فنجان قهوتي، مهما ارتفع ضغطي يا ابنتي. أعتقد أنني سأحمل فنجان قهوتي بيُمناي حين نُـبعَث؛ ففيه صكُّ براءتي من كل الجرائر التي ارتكبْتُـها في حياتي، بعضُها كان لفرط النشاط الزائد، و بعضُها كان لقلَّة النّوم الهانئ."
تبِـعَـها، و هو يشعر ببرودة الفنجان بين أنامله. يراها تقسِم حصص وجبة الغذاء بين الأطباق، و دون أن تنظر إليه، تناديه من جديد.. تمرُّ أمامَه.. يلحقُها دون صوت.. تتوجَّه نحو غرفة النوم، و هي تناديه بصوت أكثر دفئاً و شغباً.
هناك في غرفة النوم، يراها بجوار السرير...
و يرى نفـسَه نائـماً على السرير نفـسِه.. فنجان قهـوته البارد فوق المنـضدة الصغيرة.. و الخفَّان النّاعمان في الأسفل، وحيدَيْن دون قدمين.



كُــنْ وَرْداً و دَعِ الشّـوكَ يـشتـاق


كُــنْ وَرْداً و دَعِ الشّـوكَ يـشتـاق
سعيدة تاقي

  

في سماء المَشاتِـل المُغطَّاة تَـكْـمُن الفراشاتُ الحزينة.

ـــــــــــــــــ

ـ 1 ـ
قد أحبُّكَ أكثر،
يوماً ما..
سيكون حينَها
العشب أخضرَ،
دون تربة يانعة.
.. سيكون حينَها
الغصن دون وردٍ
وحيداً بين أناملِ الريح،
و الحبلُ عفواً
أسقَط كلَّ الملابس
تحت وهج الشمس.
.. سيكون حينَها
قـلبُـكَ نـديّـاً
دون مَواد حافظة
أو مراهمَ للترطيب.
قد أحبُّك أكثر،
يوماً ما..
فاترك لي هذا اليومَ،
يومي،
لأكرهَك قليلاً.

ـ 2 ـ
لم تكن أقراصُ الطبيب
مفيدة.
أطعمتْـني انتظاراً
و مغَـصاً لا يفـتُـر.
كلَّما ناديْـتُها
خبَّأ لي الوجعُ
أوهاماً
.. و بعضَ الخيبات.
هناك تحت مفرَش المائدة
كان القلمُ يحدِّثني:
أنْ لا تَـنسيني.
كان يبكي...
احتكارَ الوجع
لموعِد جولات كانت لنا،
قبل أن يلوح
طيفُ أقراص الطبيب
على سطح المائدة،
مانعاً لِحَمْلِ غيرِه.

ـ 3 ـ
و أنتَ تَـلُوكُ دهشتي
لا تتجرَّع باقي نبضي
المحتَبِـس.
اترك لي وحدي
القارورةَ الأخيرة
دافئةً بما تنضَح،
و دعْـني أعـتَـنِـقـها،
على جرعات
جرعات.
عطري كان هناك
البارحة..
على ذاك السرير،
و مـشطي..
و ياسمينٌ لم يشهَـق
بما يكفي من الفـتنة.
هذا الصباح
سأشهدُ و سأَشْهَـد..
و سأشـهَـد،
بألّا دهشةَ لي بعدَ
كُـحْـلِ الياسمين،
و ثـأرِ القارورة
من سَجاياَ العِطْـر المُعـتَّـق.

ـ 4 ـ
لم يكنِ الصَبَّـارُ يحلُم.
كان صغيراً..
كان وديعاً..
وسط كوْمَته..
داخل الأصيص.
يغازِلُ الشرفة كلّ صباح
و يتوسَّدُ صدرَ النافذة في المساء.
لم يكن يحلم.
لم يكن صغيراً على الحُلم.
كان يحيا بين الشرفة و النافذة،
و يغتسِلُ في الظِّـل
من فوضى شوكِه
مرَّةً أو..
مرَّتَين في الأسبوع.
كان الصبارُ صبوراً..
و عنيداً.
يعانِق النافذة ليلاً،
و يغازِلُ الشرفة
في أطراف الصّباح.
و لم يكن..
يحلمُ بالارتواء.

ـ 5 ـ
قد لا أهـديـكَ
قصيدتي الأخيرة
فلا توعِز للريح
أنْ تَـنْـفـرَ أوراقي،
قبلَ أن تـلْـتَهِمها
حقـيبةُ السَّفـر.
لم يطرِق الفرحُ
بابَ حروفِها،
و لم ترقُـص أمامها
فراشاتُ الربيع الملوّنة.
قد لا أهديك لسْعَ شهدِها
فالعتباتُ كانت موعودةً
للنسيان.
و الحزن كانَ يغفو
خلف سحاب الحقيبة.

ـ 6 ـ
أضاعَ الخريفُ
مناجِلَ الصَّيفِ
و لم يصُنِ القطافَ
بما يكفي من
أصابِع الحُلم.
و الدمعُ الشَّريدُ
تاهَ عن حبّاتِه
طريقُ العودة،
منذ خالفتِ
الخطوَةُ
حواشِيَ البراعِم.
لن تكونَ للربيعِ
فصولٌ أخرى،
فلا تنكِرِ الحريق،
 لن يغـفِـرَ
الحقلُ
سَوادَ البَـيَادر.

ـ 7 ـ
كم تسرَّعَتِ الشُّرفَـةُ
حين هَـتَفـت لأشعّة الشمس
أحبُّكِ أيتها الجميلة.
كان للحُبّ مذاقُ الخذلان
و المباني تغزو سماء المدينة.
كُـنّا في القفص ذاته
أنا و العصفور.
أطلَقتُ جناحيه
إذ فتحتُ له بابَ القفص.
و ضممْـتُـه إلى محْبَسي
لأسجُنَه،
مثلي
خلف الخشب الموصَد.

ـ 8 ـ
تلك المـدينةُ
خبَّأتِ البياضَ
عميقاً،
و تركَتْ للصَّهيلِ
بعضَ الغمام.
لم يهتِفِ الدُّخان
بِاسم الجمرات
التي كانت هناك
قبل الخريف.
لم تنزِفِ المُزْنُ،
و لم يغتسِلِ الرّحيلُ
من أعبـائِـه.
تلك المدينة،
تحت السَّماء القريبةِ
البعيدةِ،
غزَلَتْ للسَّواقي
اشتباهَ الياسمين
و اكتحَلَتْ
بِمِرْوَدٍ مستعار.

ـ 9 ـ
و أنتَ تقرأ
أَحكِمْ إغلاقَ صوتي.
و أنتَ تُحِـبّ
أَحكِم إخلاء سـيرتي.
و أنتَ تَكْفُـر
أحكِـم إخراسَ شَكّـي.
و لا تحتَرِفْ
.. غير وعْـدِ حرْفٍ
لم يحْتَرزْ للشَّوْكِ،
بـتوْرِياتِ المَطالِع.
لم يحتَطْ للشَّوق،
 بكنايات النسيان.
سمّى الرَّسْمَ
وَرْداً،
كان لـكَ
وحدَكَ.







الخميس، 23 يوليو 2015

لتغيير الواقِـع، ابحثوا عن عُـقـدة المِقـصلة أولاً..

لتغيير الواقِـع،
ابحثوا عن عُـقـدة المِقـصلة أولاً..

سعيدة تاقي

في ما يتردد من حكايات المِقصلة عن أزمان سابقة كان فيها لله على أرض أخرى، غير أراضينا نحن الآن، ظـلٌّ يمشي بجانب الأرسـتقراطـيين و السَّاسة، و كان له رجالٌ يحكمون باسـمه و يسـعـون إلى إحـقـاق قـانـونه وفـق ما يـرتضيه ما يـرتديه رجالُ "الله" و "الدين" و "الكهنوت" العِظام من حكمة و مصلحة و كَرَاسٍ، حكايةٌ خالدة. تُروى القصة بطرافة متعددة رغم الصوت الواحد الذي نسجها. و تتخذ في كل حكي أبعادا مختلفة، يُكسبها السياق ما تريده حكمة الراوي من مغزى أو من دروس. أسوق الحكاية خارج طرافتها و أدعوكم للتأمل معي.
تقول الحكاية:
يحكى أنّ ثلاثة أشخاص، و هم رجل دين و محامٍ و فيزيائي، قد حُكم عليهم بالإعدام.
وعند لحظة تنفيذ حكم الإعدام، تقدّم رجل الدين أولاً، فوضعوا رأسه تحت المقصلة وسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة توّد قولها؟" فقال رجل الدين: "الله..الله.. الله.. هو من سينقذني". أنزلوا المقصلة. لكن المقصلة عندما وصلت إلى مستوى رأس رجل الدين توقفت. فتعجّب النّاس، و هتفوا: "أطلقوا سراح رجل الدين فقد قال الله كلمته". و نجا رجل الدين من تنفيذ حكم الإعدام. جاء دور المحامي إلى المقصلة، فسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟" فقال: "أنا لا أعرف عن الله مثل رجل الدين، و لكنني أعرف أكثر عن العدالة.. العدالة.. العدالة.. العدالة هي التي ستنقذني". فأنزلوا المقصلة على رأس المحامي، لكنها مرة ثانية عندما وصلت إلى مستوى رأس المحامي توقفت. فتعجّب النّاس و صرخوا: "أطلقوا سراح المحامي، فقد قالت العدالة كلمتها". و نجا المحامي.
وأخيرا جاء دور الفيزيائي، فسألوه: "هل هناك كلمة أخيرة تودّ قولها؟" فأجابهم رجل العلم: "أنا لا أعرف الله مثل رجل الدين، و لا أعرف العدالة مثل المحامي، و لكنّي أعرف أنّ هناك عقدة في حبل المقصلة تمنع المقصلة من النزول نحو الأسفل عند مستوى الرأس". فنظر الجميع إلى المقصلة، و تحقَّقوا فِعلا من وجود عقدة تمنع المقصلة من النزول.
فتم إصلاح العقدة و المقصلة و أنزلوها على رأس الفيزيائي، و فصلوا رأسه عن باقي جسده.
في ختام الحكاية تقتضي الطُّرفة أو الطرافة الممزوجة بالحكمة أن يكرر كل الرواة "هكذا عليك أن تتحلى ببعض الغباء و تبقي فمك مقفَلاً أحياناً، حتى و إن كنت تعرف عن الحقيقة ما لا يعرفُه الآخرون."، أو يضيفون: "إنه من الذكاء أن تكون غبياً في بعض المواقف".
لكنني أريدكم أن تتنزّهوا عن حكمة الطرافة قليلاً، لكي ننظر جميعا إلى المقاصل الشَّرهة المفتوحة هنا و هناك و هنالك.. إنها لا تقف و لا تتعثر و لا تشبع.
لنتجاوز مستوى الرأس الذي توقّفت عنده المقصلة مرتين في الحكاية، و بلغَـتْه بعد تدخُّل الفيزيائي "الغـبي" الذي لم يكن "ذكياً"، مثلما يقتضيه "رصيد المعرفة" الذي يمتلكه، و اقترف "حقّ التنوير" الذي قضى بأن يكون رأسه ثمنا لشرًفه.
لنتوقف جميعا بتأمل أمام لوحة رأس ذلك الفيزيائي المفصولة عن جسده، دون طرافة الحكمة أو حكمة الطرافة، و دون التشفي في الغباء أو غباء التشفي.
إن الواقع لا يتغيَّر بمفرده. و لا يستطيع الدين أو القانون أن يغيِّرا دون تدخل العلم. الدين يقف عند مستوى الإيمان بالله أو بالإله أو بتلك القوة الغيبية التي يمكنها أن تصنع المعجزات في الإنسان و الكون و الحياة. لكن الدين لا يقدر على الفعل و لا على التغيير. إنه يراهن على شحن الروح بالطاقة الإيجابية (أو بالطاقة السلبية عند التأثيم أو الإحساس الفردي بالإثم)، لكنه لا يغيِّر الواقع.
أما القـانـون فيسعى إلى إحقاق العدالة، يقـرر الحـدود و الـواجبات و الحـقـوق، يـشـرٍّع و يحمي، و يفصل في النزاعات و تضارب المصالح، و يعاقب، لكنه لا يغيِّر الواقع.
الأمـر يـتجاوز منحى سقوط المِقصلة في الحكاية الطريفة، مثلما يتـجاوز مناحي سقوط و إسقاط كل المَقاصل المفتوحة في وطننا/أوطاننا في الحروب و على حواشيها و في السلام و بين أحضانه.. الأمر ماثل في واقع معطوب لا يرتفع، مهما كِـلْـنا للإيمان هاماتِنا، ومهما أسلمنا للقانون قيادنا.
إن الـواقع لا يغـيِّره غير العلم، لأجل ذلك لا يمكن للعالِـم إلا أن يكون شـريفا و صادقـاً و حقيقياً.. لا يمكن للعالِـم إلا أن يكون نزيها في تبليغ عِلمه حتى و إن كان المقابِـل المفتَرَض لـنزاهته يعني أن يتم إصلاح المقصلة بالاستفادة من عِلمه، و يعني أن تَـفْصِل المقصلة رأسَه عن جسده بعد إصلاحها.
العلمُ الحق لا يفكِّر في لحظته بل في كل اللحظات السابقة و الآنية و اللاحقة. إنه يفكر في التجارب التي مضت، أي في خبرة الأمس. و يلاحق معطيات هذه اللحظة الآنية، أي لحظة الواقع المعطوب. و يستشرف الحلول الأنسب للإنجاح، أي اللحظات الآتية و الأجيال اللاحقة.
لأجل ذلك كان رجل الدين بالله مؤمنا تهتف الجماعة بحياته إبراءً لذمة الدين الذي في جُعبته، و كان المحامي بالعدالة منادياً تتبَّعه أعين المستضعفين نشداناً لنُصرَته. أما رجل العلم فكان بالمعرفة مقاوماً للجهل و كاشفاً للعطب، و بالعلم فاضِحا للوهم و مُعلياً للحق، لكن وسط الناس و العامة كان من نجحت المِقصلة في قطف رأسه اليانعة بعد إصلاح العُقدة.
إن كنتم ترغبون في تغيير الواقع، ابحثوا أولاً عن عُقدة المِقصَلة.




الجمعة، 5 يونيو 2015

فِنْجانان، لا أَكْـثَـر.

فِنْجانان، لا أَكْـثَـر..
سعيدة تاقي

حملتْ فنجان الشاي إلى شفتيها بهدوء، كانت تعلم أنّ عينيه ترصدان خلسةً كل حركاتها. و كانت تتعمّد أن تكون أمامه في كامل الصّفاء الذي يبهره دون مجهود. تركت الفنجان بين شفتيها أطول من المعتاد. و حين وضعتْهُ أمامها على الصحن، داعبت بمنديل ورقي أثر تلك القبلة المسروقة. لون الزهر كان قد ترك شفتيه مفتوحتين على حافة الفنجان، و قطرة صفرة ذهبية تنساب نحو الأسفل.
لم تعتَـد شاي الصباح من قبل.. لكنها اليوم نكاية بالصحيفة التي يغازلها بين الفينة و الأخرى، أرادت أن تصيب قهوته اللاذعة ببعض الحيرة.
الصمت كان يمرُّ كثيفاً في الامتداد الضيق الذي يضمّهما.. لكن الصخب كان مثل البخار المتصاعد عن الفنجانين، أمراً حتميَ التوغّل.
"لن أقول شيئاً، بعد كلّ ما قُـلته.".. ذاك ما كانت تفكِّر فيه.
"إلى متى ستواصل إضرابَها عن الحديث؟".. ذاك ما كان يفكر فيه.
على صفحة عينيها النجلاوين كان الهدوء عنوانَ عاصفة احترقتْ على عجل.
و بين عينيه المُتعبتين، كان ينتصِبُ لهاثٌ، لم يستقِم حلمُه بليالٍ اقترفَها في مخيِّلته دون افتراض واقِعٍ ملائم.